أحمد مصطفى المراغي

17

تفسير المراغي

وقد جعل الدين في سلطانه على النفوس ، وتصرفه فيها بحسب نواميسه وأصوله ، وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال بحسب هديه - كأنه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط في الهاوية ، كأنّ الآخذين به قوم على نشز أي مرتفع من الأرض يخشى عليهم السقوط منه ، فيأخذون بحبل موثّق يجمعون به قوتهم ، فينجون من السقوط . و في الحديث « القرآن حبل اللّه المتين ، لا تنقضى عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الردّ ، من قال به صدق ، ومن عمل به رشد ، ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم » وجاء في معنى الآية قوله تعالى : « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » فحبل اللّه في هذه الآية هو صراطه المستقيم ، كما أن أنواع التفرق هي السبل التي نهى عنها فيها . ومن السبل المفرقة في الدين إحداث الشيع والمذاهب كما قال : « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ » ومنها العصبية الجنسية كما بين الأوس والخزرج كما تقدم ذلك ، وقد روى أبو داود عن مطعم بن جبير ( ليس منّا من دعا إلى عصبية ) . وقد سار على هذا النهج أهل أوروبا في العصر الحديث فاعتصموا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية وسرى ذلك إلى بعض البلاد الإسلامية ، فحاول أهلها أن يجعلوا في المسلمين جنسيات وطنية . فدعا الترك إلى العصبية التركية ، والمصريون إلى الجنسية المصرية ، والعراقيون إلى الجنسية العراقية ، ظنا منهم أن ذلك مما ينهض بالوطن ، وليس الأمر كما يظنون ، فإن الوطن لا يرقى إلا باتحاد كل المقيمين فيه لإحيائه ، لا في تفرقهم ووقوع الشحناء والبغضاء بينهم ، فالدين يأمر باتحاد كل قوم تضمهم أرض واحدة ، وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم ، ويأمر بالاعتصام بحبل اللّه المتين بين جميع الأقوام . ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ